المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسرحية : شيء عن الموت


حلم شاعر
19-07-2007, 04:26 PM
بسمه تعالى ،

انقل لكم مسرحية كنت قد قرأتها قبل بضع سنين وكانت قد أعجبني كثيرا هدفها، وهي فعلا رائعة ومن القصص الجميلة التي قرأتها.
للكاتب الإسلامي المعروف د. عماد الدين خليل.
أنا الآن أقوم بطباعتها وأتمنى أن أكمل المسرحية ، هذا إن وجدتم استمتاعا بها.
أتمنى أن تروق لكم .

بسم الله الرحمن الرحيم
"شرفة الباخرة كاردينيا المتوجهة من الجزائر إلى مرسيليا .... ترى في الجهة اليسرى نافذة واسعة وباب مفتوح يفضي إلى الصالة العليا حيث يجتمع المسافرون للشرب وتبادل الأحاديث وسماع الموسيقى والرقص.. أما الجهة اليمنى فتطل على البحر حيث ترى الشمس وهي تميل إلى الغروب..
" عندما ترتفع الستارة نلمح رجلا في العقد الخامس من عمره يقف إلى حاجز الشرفة متأملا البحر .. هندامه م النوع الطبيعي .. لا أناقة زائدة ولا إهمال بارز .. يمد يده إلى جيبه ويستخرج دفتر مذكرات صغير ويدون بعض الملاحظات .. انه الدكتور رباح احمد الجزائري المتخصص في علم النفس.. من الصالة تنبعث موسيقى صاخبة وإيقاعات رقص عنيف.."

د.رباح : " يقفل دفتر المذكرات ويتحدث إلى نفسه " إنهم لا يدعون أحدا يرتاح قليلا.. هذه الصرخات المجنونة التي تزعق كالوحوش الضاربة.. لقد اختلطت علي أصوات الآلات النحاسية وصرخات الحناجر البشرية نفسها"بغضب مكبوت" آلات رخيصة، يفتح دفتر مذكراته ويقرا: إنني أشعر بنشوة غامرة وأنا أقف هنا قبالة البحر والسماء..

أدون بعض أفكاري ومذكراتي .. إن الامتداد اللانهائي للبحر والسماء وزرقتها النقية كالبلور يجعلان الإنسان يقف في قلب التجريد.. انه نقيض الاكتظاظ والتخمة الشيئية التي يحاصرنا بها عصر التكاثر هذا.. إنني أكاد أضع يدي على إحساس نقي، متفرد ، طالما افلت من بين يدي وأنا أتخبط في الزحام.. انه التحرر من الشد الثقيل الذي يرهق الناس ويفتت وجدانهم ، التحرر الذي يغسل ريق القلب والعقل فيغدوان أكثر إستشراقا للحقيقة والجمال.. والتصاقا بهما.. آه" يدوي صوت الموسيقى وضربات الطبول في الداخل .. يقفل الدفتر" ولكن هذه .. إنها تلاحقنا حتى في رحيلنا وتخففنا .. إنها تفرض حصارها علينا حتى بين البحر والسماء.. هذه الآلات الرخيصة..

يخرج من الصالة شاب في الخامسة والعشرين من عمره ذو ملامح مغربية ناعمة وبدلة غاية في أناقتها .. يتجه نحو الشرفة وهو يحمل حقيبة صغيرة من النوع الخاص بالأوراق.. يلمح الدكتور رباح فيحييه باحترام بالغ.."

المغربي: فرصة سعيدة دكتور رباح .. إنني في الحقيقة اغبط نفسي إذ جمعتني هذه الرحلة.. قال لي الأصدقاء انك ذاهب إلى جامعة ليون في رحلة تستغرق شهرين لمتابعة بعض بحوثك وتجاربك هناك؟

د. رباح : هذا صحيح .. أين تعتز م الذهاب؟

المغربي: " بابتسامة سعيدة"إلى الجامعة نفسها للتخصص في علم الاجتماع.
.
د. رباح : علم الاجتماع؟ هذا شيء رائع.
.
المغربي : لقد حصلت على بعثة دراسية من وزارة التعليم أمدها ثلاث سنوات.. هل
تعتقد أن هدا يكفي للحصول على الدكتوراه؟

د. رباح : بك تأكيد..

المغربي: ومع ذلك فقد أعطوني شبه وعد بأنهم سيمددون الفترة الممنوحة ستة أشهر أخرى إذا اقتضى الأمر ..

د. رباح : لا اعتقد انك ستحتاج إليها إذا شمرت عن ساعد الجد..

المغربي: من اجل ذلك جئت التمس مشورتك..

د. رباح : " كمن تذكر شيئا مهما" ولكن قل لي في أي موضوع تنوي أن يكون بحثك؟
المغربي: لم أقرر لحد ألان.. وان كنت انوي أن أعكف على..

د. رباح : "مقاطعا" ماذا لو أعددت العدة لدراسة موضوع طالما أغفله الباحثون سواء في التخصص الذي اعمل فيه.. أم في علم الاجتماع هذا..

المغربي: "بنفس الابتسامة" ستكون كلماتك وآراؤك بمثابة الضوء الذي سأقطع الطريق على هديه.. هذه أول مرة أغادر فيها إلى فرنسا.. إنني رهن مشورتك.

د. رباح : " وهو ينظر إلى الأفق" الموت !!

المغربي: "بدهشة"الموت؟؟

د. رباح: واقعة الموت .. ردود فعل جماعة بشرية ما تجاه واقعة الموت.. تحليل منحنيات هذه الردود كما ونوعا وتكثيفها في أنماط معينة يمكن أن تنسحب على كافة الجماعات..

المغربي: ولكنه اقرب إلى علم النفس..

د. رباح : ليس بين العلمين سوى حاجز رقيق شفاف..
سرعان ما يتلاشى إذا ما عرفنا أن كلا العلمين يبحثان في الإنسان فردا والإنسان جماعة.. ثم إنني ابحث عمن يعينني في مهمتي التي أسافر من اجلها..

المغربي: أية مهمة؟

د. رباح : ردود فعل الإنسان تجاه واقعة الموت..

المغربي: إنها كما قلت إذن.. مهمة علماء النفس.

د. رباح: لا فرق .. لا فرق .. الاجتماع ، النفس حتى التاريخ والفلسفة والدين كلها تبحث في الإنسان .. وهناك من يدعو اليوم إلى إدخال البعد الإنساني في أكثر العلوم بعدا عن العلاقات البشرية.. الرياضيات مثلا..

المغربي: ولكن في الموضوع بعدا ميتافيزيقياً.. امتدادا غيبيا، وأنا ارفض الميتافيزيقيا وارفض الغيب!!

د. رباح : " بابتسامة رقيقة" ستقول أنهما نقيضان للدراسة العلمية التي تسعى إلى حصر الوقائع المادية المنظورة وتفحص سلوكها تجاه تأثير ما لتبين النتائج التي تؤول إليها والقوانين التي تتحكم في توجهها ذاك صوب النتائج ..

المغربي: بالضبط .. إنني ذاهب للتخصص للعلم .. لا الخرافة.

د. رباح : على رسلك .. ولا تسرع في تكديس الألفاظ بعضها فوق بعض.. ان هذا لا يخدم نقاشنا. . ثم إنني اعتقد انك قد بلغت حدا من النضج يجعلك تتجاوز مرحلة المحفوظات..

المغربي: "وكأنه قد بوغت" المحفوظات؟

د.ر باح: ترداد الكلمات والأفكار كعبارات جاهزة دون تبيين الفرق النوعي بينها.. دون إدراك الأبعاد الحقيقية التي تفصل بعضها عن البعض الآخر..

المغربي: ولكن جميع الأساتذة الذين تلقيت محاضراتي عليهم أكدوا لي هذا..

د. رباح: تقصد معظمهم .. أليس كذلك ؟
المغربي : تقريبا..

د. رباح: " يربت على كتفيه" عالم الاجتماع أولى بان يكون حذرا تجاه التعميم.. ماذا تشرب؟

المغربي : أشكرك.. لا اشتهي شيئا.. لقد شربت قبل قليل قنينتين من البيرة..

د. رباح : اعتقد أن الشاي الممزوج بالحليب يمكن أن يرطب حلوقنا .. إن أمامنا حديثا طويلا" يصفق فيطل احد الخدم من النافذة المجاورة" كوبان من الشاي الممزوج بالحليب رجاء" يلتفت الى المغربي: قلت انك ترفض الميتافيزيقيا أو الغيب إذا شئت.. أليس كذلك؟؟

المغربي : بالضبط.

د. رباح : والميتافيزيقيا أو الغيب يمتدان إلى كل ما لا تقدر حواسنا النسبية المحدودة على التواصل معه.. كل ما لا تراه العيون أو تلمسه الأيدي أو تسمعه الأذان .. إلى آخره وبالتالي يصعب حصره مختبريا لتفحص طبيعة عمله..

المغربي: بالضبط.

د. رباح : ولكن إذا قدرنا على التواصل مع هذا العالم بوسائل أخرى غير الحواس فهل لنا ان ننكره أو نرفض التعامل معه؟؟

المغربي: ليس ثمة غير الحواس، يحملنا إلى النتائج الصحيحة.. النتائج اليقينية.

د. رباح : في العلم ليس ثمة نتائج يقينية.. هذه مسلمة، يجب ألا تخدعنا عن فلسفة العلم المبهورة.. إذا كان العلماء يؤكدون على ذلك فليس للفلاسفة أن يزيدوا عليهم.. إنهم سيكونون في هذه الحالة ملكيين أكثر من الملك كما يقول المثل.. ثم إن الفلسفة لا تمس الوقائع بالحس بقدر ما تتعامل معها بالفكر والمنطق والحواس والقياس..



يتبع

ظلال القلم
20-07-2007, 06:43 AM
شيقة


بإنتظار البقية,,,


انتقاء مميز ,,,



تحياتي


ظلال القلم

حلم شاعر
20-07-2007, 08:02 AM
بسمه تعالى

يالها من ظلال قلم جميلة ، ظللت صفحاتي بفيها البارد

شكرا على هذه المتابعة

نكمل ما بدأناه.....

المغربي : مهما يكن من أمر فان الحواس هي سيدة الموقف وهي سفينتنا إلى الحقيقة النهائية..

د. رباح: " مشيرا إلى الأفق" انظر أترى أشعة الشمس الصفراء وهي تميل إلى أن تكون أكثر دكنة لحظة بعد لحظة؟ إنها ستغدو بعد قليل حمراء بلون الدم..

المغربي: شيء رائع حقا.. كنت احلم بهذا النظر..

د. رباح : " مستمرا" من كان يعرف إلى عهد قريب إن ضوء الشمس هذا يتضمن كذلك الأخضر والأزرق وغيرها من الألوان؟

المغربي: لا احد..

د. رباح: كانت هذه الألوان الحقيقية غيبا.. كانت ميتافيزيقيا .. وكان البحث عنها محاولة غير مجدية قبل عدة قرون.. من قال أن قوانين الكون والعالم وموجوداتهما قد تكشفت كلها؟ من قال أن الغيب الذي نراه الآن لا يمكن أن نرى بعض جوانبه الأخرى في مستقبل قريب أو بعيد، في أزمان وأماكن أخرى وبأجهزة أكثر رقيا وتعقيدا.
المغربي: ولكنني اقصد العصر المختبري..

د. رباح:" مستمرا" لم يقدر لأحد حتى الآن أن يحضر الضوء مختبريا ويتفحص تركيبه النهائي.. إنها مجرد تخمينات.. فإذا عدنا إلى مسالة الألوان مرة أخرى لتبين لنا كيف أنهم تمكنوا من كسر حاجز الألوان السبعة إلى ما فوق البنفسجي وما دون الأحمر .. ومن يدري؟؟ من يدري؟؟ " بلهجة ذات مغزى " انه لا يزال غبيا ..

المغربي: دكتور رباح .. اعتقد إننا ابتعدنا عن الموضوع.. وأنا جئت لأطلب مشورتك..

د. رباح: بالعكس .. إننا في صلب الموضوع.. فها انذا استطيع أن أقول أن ظاهر ة الموت كالضوء تماما تحمل الوجهين معا .. ما يرى وما لا يرى..

المغربي: الموت هو في نهاية التحليل تلف في الأنسجة وتحلل في تركيبها وعدم قدرتها وبالتالي على مواصلة العمل..

د. رباح: أنا معك في هذا ، ولكن نفي وجود الوجه الآخر للموت مسالة غير علمية.. إذا فهمنا العلم-بتواضع-على انه البحث عن الحقيقة وانه السؤال الأبدي:
لماذا تكتب على الأجهزة أن تتلف؟ لماذا نموت ؟ فإذا قدرنا على الإجابة على سؤال كهذا بأنه سنة الشيخوخة التي تمضي بكل الحيوان والأشياء التي نهايتها المحتومة، وإذا قدرنا على هذا فإننا سنقف عاجزين في الخطوة التالية: إن الإنسان يموت في كثير من الأحيان ومعظم أجهزته سليما تماما، تمارس مهمتها بقدر كبير من الحيوية.. ومع ذلك فهون يموت.. لا ريب أن هنالك قوة ما بانفصالها عن ألياف الإنسان وأجهزته تصبح هذه الألياف عديمة النفع.. وعديمة الجدوى..
المغربي : " وهو يرفع صوته ليتغلب على زعيق الموسيقى" ولكنني ذاهب إلى هنالك لتحقيق هدف محدد : علم الاجتماع.

د. رباح : ليتهم يكفون قليلا.. إنهم لا يرتاحون ولا يدعون أحدا يرتاح.. ومن قال لك إن عليك أن تبحث حقيقة الموت؟؟

المغربي: ماذا إذن؟

د. رباح: أنت الذي سقتني إلى هذا الموضوع لأبين لك بعض المسائل التي تخفى على الكثيرين من المبهورين بمنجزات العلم الحسي التجريبي.. ورغم أن الكبار ممن صنعوا هذا العلم وكشفوا عن سننه أكثر تواضعا واقل غرورا.. إني عرضت عليك دراسة ردود فعل عينة اجتماعية تجاه واقعة الموت.. وهذا من صميم عملك..

المغربي : كيف؟ إن حصر عدد كبير نسبيا من الناس لتفحص ردود أفعالهم تجاه واقعة الموت مسالة مستحيلة.. هل أجازف بالذهاب إلى ساحة الحرب؟؟

د. رباح: " وهو يتفحص أناقة المغربي" لا اعتقد أن هذا بمقدورك.
المغربي: الجلوس طويلا في ردهة مستشفى ما لتفحص ردود فعل مجموعة من الذين يعانون مرضا خطيرا؟ إن هذا يجابهنا بمشكلة أخرى.. ضيق مساحة العينة الاجتماعية المراد دراستها..

د . رباح: ولا هذا..

المغربي: " مبتسما" كان علي أن أكون في هيروشيما او ناكازاكي عندما كانت تتعرض للدمار الذري.. إنها اكبر ( عينة) في تاريخ الأبحاث..

د. رباح: " بتأثر" لا تزال ردود الفعل محفورة في الأبناء، والأحفاد منقوشة في جباههم.. يقال إنها تنتقل إليهم على محمولات الوراثة.. لا ليس هذا..

المغربي : ولكن" يحاول أن يرفع صوته للتغلب على زعيق الموسيقى مرة أخرى، فإذا بالموسيقى تكف فجأة فيشعر بالحرج ويخفض صوته" ولكن..
" نسمع من أجهزة تكبير الصوت داخل الصالة نداء من قائد السفينة وهو يخاطب الركاب"

قائد السفينة : أيها الركاب الأعزاء ليست هذه المرة الأولى التي تجابه فيها سفينة ما بعض المتاعب.. لا نريد أن نخفي شيئا عليكم من اجل أن تكونوا أكثر وعيا بما يحدث واستعدادا لمزيد من التحمل والانضباط..
لقد حدث ارتطام جزئي في مقدمة السفينة بجسم مركب قديم كان قد استقر في الأعماق على ما يبدو منذ فترة بعيدة............... .......

يتبع.....

نونه
20-07-2007, 10:50 PM
قوووه محمد شلونك شخبارك ....

يعطيك العافيه وعساك عالقوه وصج قصه حلووه ومشكور وااايد وبانتظار البقيه.....



محبتك الريم غزاله الكويت icon27.gif

ظلال القلم
21-07-2007, 04:44 AM
متابعه ...



ظلال القلم

حلم شاعر
21-07-2007, 07:33 AM
بسمه تعالى

انا بخير اختي العزيزة الريم غزلة الكويت شكرا لتعطيرك صفحتي

وشكرا يا ظلال القلم على حسن المتابعه

رزقكما الله ثوابي الدارين


نعود معكم مرة اخرى لا كمال فصول المسرحية الجميلة شيء عن الموت لنقرأ احداثها الرائعة معا .

تكملة ما قاله قائد السفينة:

لقد حدث ارتطام جزئي في مقدمة السفينة بجسم مركب قديم كان قد استقر في الأعماق على ما يبدو منذ فترة بعيدة.. ولقد أحدث الارتطام شقا في الجهة اليسرى من المقدمة وأخذ الماء يتدفق منه بغزارة.. لقد طلبنا قبل ربع ساعة من ركاب الطابق الأرضي أن يصعدوا إلى الطوابق العليا لكي يتاح لنا التحرك بحرية لمجابهة الثغرة التي يتدفق منها الماء.. إن محاولات جادة ومستمرة تجري لإصلاح الخلل وان كنت لا أكتمكم انه أخذ بالاتساع رغم كافة المساعي.. وكل ما نرجوه هو مزيدا من الهدوء والانضباط.. ومزيدا من الالتزام بتعليماتنا التي ستصدر تباعا..

المغربي: "بحزن شديد" كنت احمل معي طالعي المشؤوم منذ اللحظة الذي ولدت فيها.. ماتت أمي لحظة خرجت إلى هذه الدنيا السوداء.. عشرون سنة وأنا أكد من أجل أن أضع مستقبلي..

د. رباح: ها نحن بدأنا نضع خطواتنا في دائرة الخرافة.. أي طالع مشؤوم هذا؟! إننا جميعا نتعرض لنفس المحنة وهاهنَّ أمهاتنا لا يزلن إحياء..

المغربي: "غير ملتفت إليه" وعندما أصبحت على بعد خطوات.. عندما أصبحت على بعد خطوات ها هي اللعنة تطاردني إلى هنا.. من كان يتصور أن الباخرة التي سأستقلها من بين مئات البواخر التي تقطع البحار والمحيطات بالعشرات والمئات.. تتعرض للغرق؟

د. رباح: ومن قال لك أنها تتعرض للغرق؟ إن السفن كثيرا ما يحدث لها هذا ولكنها كانت في كثير من الأحيان تخرج من المحنة بسلام..

المغربي: "ساخرا" بسلام؟ ما دمت أنا موجودا فوقها فثق أنها لن تخرج بسلام..
"صوت قائد السفينة يرتفع مرة أخرى عبر أجهزة التكبير"

قائد السفينة: أيها الركاب.. إن المزق أخذ بالاتساع.. والماء يتدفق بقوة.. ولقد أصاب الخلل جهاز الاتصال نفسه، فلم يعد بمقدورنا الاتصال بأية جهة.. إن زوارق الإنقاذ محدودة لا تستوعب هذا القدر الكبير من المسافرين.. لذا نكرر ضرورة الالتزام بالانضباط ريثما يتاح لنا إيجاد مخرج من المأزق الذي نتعرض له جميعا.. انه لا يزال هنالك أمل فلا تيأسوا..

المغربي: ألم اقل لك؟

د. رباح: "بابتسامته المعهود" بدلا من هذا التشاؤم.. من هذه النظرة السالبة.. يمكنك التشمير عن ساعد الجد.. إنها فرصة ذهبية..

المغربي: التشمير عن ساعد الجد والموت على بعد خطوات منا؟ آية فرصة ذهبية هذه؟
د. رباح: أنسيت؟ هكذا بسرعة؟ ما كنت أتوقع أن رد فعلك تجاه الموت يمكن أن يندرج تحت النمط الشائع، أنت الذي تتقدم للصعود إلى قمة الثقافة..

المغربي: "بيأس" تجاه الموت يستوي الأمي والمتخصص..

د. رباح: "باطمئنان عجيب" معنى هذا أن هنالك رد فعل واحد تجاه هزة الموت.. أين يذهب إذن التغاير النوعي والكمي في المحصلات الوراثية والبيئية؟

المغربي: "مقاطعا" وماذا بصدد المعلومات التي اجمعها؟ هل سيتاح لي أن أتمكن على دراستها هناك في مختبرات جامعة ليون؟ أنه عبث لا طائل تحته فالمعلومات وأصحابها سيغدون عما قريب طعمة للأسماك.

د. رباح: من يدري؟ أنه ما دام هناك أمل فأنه يتوجب علينا أن نسعى.. أن نواصل اجتياز الطريق إلى طموحاتنا وأهدافنا.. ألا نرمي بخططنا ومشاريعنا جانبا.. انه المبدأ الذي أوصانا به رسولنا العظيم "إذ قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فأستطاع أن يغرسها، فليغرسها فله بذلك اجر".. إنها فرصة ذهبية ولن تتكرر مرة أخرى.. إنها الفسيلة التي قد تخدمك في مهمتك وقد تغدو شجرة خضراء هناك..
المغربي: "شجر"هناك؟ آه.. هل يكتب لنا أن نصل إلى هناك

د. رباح: سواء أكتب لنا أن نصل أم لا، فأن علينا أن نعمل حتى آخر رمق في حياتنا.. هيا ادخل إلى الصالة وادرس ملامح الوجوه والتق بالمسافرين واحدا واحدا اسألهم عن كل شيء ذي قيمة مر في حياتهم.. عن خبراتهم.. عن مطامحهم.. عن مخاوفهم.. عن مواقفهم تجاه الكارثة.. دون هذا كله في أوراقك فلعلك مستفيد منها يوما.. هيا..
"يدفعه إلى الداخل ويعود إلى مكانه من الشرفة وهو يبتسم.. يدخل قائد السفينة الكابتن إدريس مبتسما هو الآخر.. يتجه إلى حيث يقف دكتور رباح"

كابتن إدريس: اعتقد أن الأمور تسير على ما يرام؟

د. رباح: "مربتاً على كتف إدريس" أشكرك جدا !!

إدريس: هل ستبدأ عملك؟

د. رباح: لقد بدأته قبل لحظات..

إدريس: ولكنك لا تزال تقف في مكانك..إن مختبرك هناك "يشير إلى الصالة"..

د. رباح: أتريد أن أصدقك القول؟ لقد ضربت عصفورين بحجر واحد.. إنني أقوم بتجربة مركبة ساقتها الصدفة إلي..

إدريس: كيف؟

د. رباح: طالب جامعي ذاهب إلى فرنسا للتخصص في علم الاجتماع.. لقد أقنعته بعد نقاش بتولي التجربة بنفسه وجمع البيانات وتحليلها..

إدريس: وهل أعلمته بالأمر؟

د. رباح: كلا..

إدريس: ولكن..

د. رباح: لأنه لا يعرف.. ستكون التجربة مركبة.. ستكون البيانات والتعقيبات مثيرة فعلا.. ان جمع وتفحص الأنماط المتباينة تجاه واقعة الموت سيتولاها باحث هو نفسه يعاني من رعب الموت.. وعلى أية حال فسواء كلفته بالتجربة أم لا فإنه كان مقدورا عليك أن يجابه الرعب نفسه.. أليس هو واحدا من بين مئات المسافرين المتكدسين هناك؟.

إدريس: إنني أهنئك على أية حال.. إن محاولتك هذه سوف لن تخدم قاعات البحث فحسب، بل المخرجين السينمائيين أيضاً !!

د. رباح: لولا مساعدتك ما قدرت أن أفعل شيئا..

إدريس: الحق إنني وجدت صعوبة بالغة في إقناع كبار المسئولين في شركة الملاحة بالموافقة على التجربة..

يتبع...........

•●غزلان●•
21-07-2007, 10:34 PM
مشكور يالغالي ويعطيك العافه لاتحمنا من مواضيعك

•●غزلان●•
21-07-2007, 10:41 PM
البدليات مشكله يعطيك العافيه والله لايحرمنا منك ههههههههه

حلم شاعر
22-07-2007, 08:02 PM
البدليات مشكله يعطيك العافيه والله لايحرمنا منك ههههههههه

اللهم لا تحرمنا من هذه الطلة البهية والضحكة الرقيقة المرضية يا لغالية برونزية


رزقك الله ثواب الدارين

حلم شاعر
22-07-2007, 08:44 PM
بسمه تعالى


نتابع معكم من جديد فصول المسرحية الهادفة والجميلة


د. رباح: "مبتسما"على تخويف المسافرين وتدمير سمعة الشركة بالتالي..

إدريس: ولكنني قلت لهم إن الحقيقة ستنكشف للمسافرين أنفسهم خلال ساعتين فحسب..

د. رباح: بعد أن يكون معظم المسافرين قد اقسموا إلا يسافروا بحرا بعدها..

إدريس: ثم أن التماس الجامعة الرسمي أعانني كثيرا.. وأخيرا حصلت على الموافقة..

د. رباح: كنت أحلم بتجربة كهذه ولدا فأنني كنت مستعدا لأن ارمي بكل ثقلي للحصول على الموافقة.. إن هذه محاولة أولى من سلسلة محاولات قد أقوم بها في المستقبل.. لا بد من المجازفات إذا ما أردنا الحصول على نتائج ذات قيمة، إن رواد العلم الحديث حققوا منجزاتهم العظيمة بالمجازفات إنه ما من حضارة تريد أن تقطع خطوات كبيرة إلى الإمام إلا بوجود حشد كبير من المجازفين.. أن أجدادنا العظام صنعوا هم الآخرون حضارتهم بالمجازفة.. منذ اللحظة التي خرجوا فيها من جزيرتهم يحملون عقيدتهم الجديدة إلى العالم لكي يتصدوا لأقوى الدول وأعلى الإمبراطوريات وحتى قيام رجالهم الكبار بعد قرون عديدة باختراق الصحاري والغابات والبحار والمحيطات بحثا عن الحقيقة.. إنني أشعر هذه اللحظة إن روح ابن بطوطة الطنجي تباركني وتدفعني.. رغم إن هذه هي البداية فقط.. البداية التي لا تكلفني شيئاً.. ولكنني أطمح إلى ما يكلفني فعلا..

إدريس: ارجوا إلا تكون محاولتك القادمة على متن أحدى الطائرات.. إنه لأمر مرعب حقا.

د. رباح: لا ليس هذا.. هنالك مجالات ومجالات..

إدريس: أتدري ما الذي يحدث في الصالة.. أنه أمر مثير حقا..

د. رباح: بعد أن كلفت الطالب المغربي بمهمة جمع البيانات يمكنني أن أدخل الصالة لأعاين ملامح المسافرين بعيدا عن القيود والمهمات الأكاديمية التي أرهقتني إنني سأدخل الصالة فنانا لا عالما.. ومن يدري؟ أخرج من التجربة برصيد تعبيري كبير.. سيما وإنني أمل بعض القدرات في مجال الرسم.. ان لوحة الكريكو "الصرخة" تفرض علي نفسها وأنا أتخيل ملامح المسافرين هناك..

إدريس: لقد اجتزت الصالة قبل قليل.. مساكين.. إن أكثرهم رقصا وجنونا غدوا أكثرهم هدوءا واستسلاما.. أين ذهبت تلك الضجة؟ ها هو الصمت يخيم عليهم وكأنهم يغطون في نوم عميق..

د. رباح: وما الذي حل بنافخي الأبواق وقارعي الطبول؟ لقد كادوا أن يأتوا على أعصابي..

إدريس: ها أنت الآن تثأر منهم، إنهم يتلوون رعبا وهلعا.. لقد تقدمت من أحدهم وطلبت منه أن ينفخ في بوقه.. قلت له إنها فرصة حيوية ممتازة لعزف لحن يعبر فيه عن رؤية الموت القريب وإنني سأتولى تسجيله فلربما يباع بثمن خيالي إذا ما سمع به عشاق الموسيقي النادرة في العالم، ولكنه نظر إلي بعينين جاحظتين ولم يجيبني.. لقد تصور إن المسألة مجرد سخرية ثقيلة لا معنى لها.

د. رباح: لعله أجابك بما أجابني به الطالب المغربي.. إن ما سيعزفه سيستقر صداه في الأعماق..

إدريس: لم ينبس ببنت شفة، فأردت أن استفزه أكثر، قلت له أين ذهب ذلك الهواء المضغوط في رئتيك والذي يمكنك من النفخ الدقائق الطوال دون أن تأخذ بديلا عنه؟ لا بد أن شيئا منه يلح عليك بدفعه للخارج إنه شوق السجين إلى الحرية.. إن صدرك لم يعتد على حبس الهواء.. أتدري بماذا أجابني؟

د. رباح: "ضاحكا" إنه سيدفع به للخارج ولكن بطريقة أخرى!!

إدريس: "ضاحكا هو الآخر" بالضبط.. كيف عرفت هذا؟

د. رباح: لا يوجد طريق آخر.. أما هذا أو ذاك.. وعلى آية حال فقد ثأرت من زعيق الآلات وهي تصرخ في أذني طيلة أربع ساعات.. لقد منعتني حتى من كتابة بعض خواطري التي كنت أوثر ان أدونها هنا في البحر في لحظات المغيب المؤذية.

إدريس: اطمئن إذن فأنها ستخرج بأسلوب بشري صرف..

د. رباح: ولكنها ستعزف ألحانا!!

إدريس: ليست على آية حال بالعزف الذي تمارسه الأبواق..

د. رباح: وماذا عن البار؟

إدريس: لقد ذكرتني.. لم يبق فيه قنينة واحدة.. إنهم يريدون أن ينسوا.

د. رباح: سيغبون أكثر مما يجب.. إن هذا سيؤثر على بيانات صديقنا المغربي ولا شك..

إدريس: أظنك كنت تريد مني أن اقفل البار من أجل بياناتك؟

د. رباح: لا.. أبدا.. ومن يدري؟ فلعلها تدفعهم إلى الإدلاء بالحقيقة كاملة.. إنها كالحلم نفسه ستدفع بمعطيات لا لوعيهم إلى أ، تكشف عن نفسها أكثر.. فهناك يمكن أن يجد الباحث الشيء الكثير..

إدريس: ولكن بعضهم فقد وعيه كلية وتحول إلى مجرد كومة لا تسمع ولا ترى.. بل أنها لا تبدي ما ينبه إلى وجودها..

د. رباح: كنت خائفا من هذا.. ولكن لا اعتقد إن الجميع حاولوا مجابهة الموقف بالهروب من خلال هذه الأداة الرخيصة..

إدريس: بكل تأكيد.. فهناك العشرات ممن التقيت بهم في الصالة لا يزالون يحملون قدرا كبيرا من الشجاعة لمجابهة الموقف.. إنهم بكامل وعيهم.. بل إن بعضهم عرض علي المساعدة.. وقال آخرون إنهم على استعداد تام للتضحية بأنفسهم، إذا اقتضى الأمر من أجل النساء والشيوخ والأطفال..

د. رباح: لا ريب إن الطالب المغربي سيدون هذا كله.. إن قيمة الحياة البشرية تبدو في هذا التنوع في "المواقف"إزاء الإحداث والملمات.. ماذا لو تحول جميع المسافرين إلى كوم من اللحم الرخو المستلقية كالأشياء العتيقة المهملة هنا وهناك؟ وماذا أيضاً لو شهر الجميع عن ساعد الجد وظلوا عند نقطة التوتر الكامل.. نقطة الوعي والحرية والمسؤولية.. إن بطولة هؤلاء لا تبرز وتتجسد إلا من خلال خلفية مليئة بالجثث الملقاة.. بأكوام اللحم الحية التي هي أقرب إلى عالم الحشرات والهوام..

إدريس: ها بدأت ترسم لوحتك الأولى..

د. رباح: "مستمرا" إن ما يريده البعض من توحيد أنماط السلوك البشري إزاء المؤثرات المختلفة وصبها في قالب واحد، كما يصب سائل الحديد الصلب، مسألة مستحيلة.. ليس لأن هناك تباينا محتوما يمتد عموديا بالمؤثرات الوراثية وأفقيا بالمعطيات البيئية.. ولكن أيضاً لأن فلسفة الحياة البشرية وقيمتها وتفردها على سائر الحيوان تقتضي هذا التنوع.. هذا التغاير في أنماط السلوك والاستجابات للأحداث والتحديات.. وما دامت هنالك ضرورات عليا على مستوى هدف الحياة البشرية وطبيعة صيرورتها الدائمة فإن المسافرين على ظهر كاردينيا هذه.. إن البيانات التي سنجمعها ستخدمنا على هذا المستوى.. فضلا عن نطاق البحث العلمي الصرف.. إنني أشكرك مرة أخرى يا كابتن إدريس..

Mŕ.ҝĭŤҚaŤ
23-07-2007, 02:36 AM
مشكووور يا الغالي ويعطيك العافيه

حلم شاعر
24-07-2007, 09:29 PM
شكرا جزيلا على مرورك اخي العزيز

حلم شاعر
25-07-2007, 06:13 PM
بسمه تعالى،،،،،

وهذا هو الفصل الاخير من المسرحية الجميلة نامل ان تكون قد راقت لكم .


إدريس: رغم صعوبة الموقف بالنسبة لقائد سفينة مهمته أن يصل المسافرين معه إلى هدفهم بأكبر قدر من الأمن والفرح.. فأنني اشعر لأول مرة إنني اجتاز عالما جديدا.. أشعر إنني خرجت لأول مرة عن روتين السفر القاسي ومهماته الوظيفية المملة.. إنني استشعر لأول مرة طعم الجدّة والتوقع والغرابة التي تهبها الرحلات الأولى للمسافرين..

د. رباح: وهل ضمنت إلا يتسرب النبأ عن طريق القباطنة الآخرين..

إدريس: بكل تأكيد.. أنهم يعملون معي منذ اثني عشر عاما على ظهر السفينة نفسها.. لقد غدونا عائلة واحدة تسودها الثقة والمحبة.ئ وما أقوله لهم يضعونه في قلوبهم.. لست رئيسهم ولكني صديقهم، وهذا سر نجاحي معهم.. لقد أصابتهم الدهشة أول الأمر.. إلا أنني تمكنت من إقناعهم بسهولة
د. رباح: وماذا بصدد البعثة الدبلوماسي الجزائرية؟

إدريس: لا تخف عليهم!! إنهم جميعا من مجاهدي جبهة التحرير.. ليست هذه هي المرة الأولى التي يلتقون فيها بالموت.. لقد رأوه مرارا وهم يقاتلون ببطولة نادرة من أجل تحرير أرضهم وشعبهم.. إنهم بقدرتهم على مجابهة الموت صنعوا مصير أمتهم العظيم.. ستدخل ولا ريب وتراهم بأم عينك، أنهم يقفون هناك دون إن تغادر الابتسامة شفاههم.. يتحدثون فيما بينهم كما لو ان أمرا لم يقع.. وإن السفينة التي تقلهم ربما ستستقر بهم بعد قليل في الأعماق.. لقد هزني منظرهم وهم يؤدون الصلاة العشاء بشكل جماعي مؤثر.. بينما الآخرون الذين كانوا لفترة قريبة يرقصون بجنون على أصوات الموسيقي، الصاحبة.. يتكومون هناك في الزوايا وقد فقدوا كل قدرة على الحركة.. أتدري؟ أنهم هم الذين عرضوا علي المساعدة وأعربوا عن استعدادهم للتضحية إذا اقتضى الأمر..

د. رباح: "كأنه يتذكر إحداثا طال عليها الأمد"أنهم أصدقاء الجهاد يا كابتن إدريس.. لقد عملت معهم طيلة عشر سنين.. إنني أعرفهم جيدا.. تجسيد حي لكل معاني النبل والبطولة في تاريخ الإنسان.. لقد كانت تلك ساحتي الحقيقة ثم تحولت إلى الجامعة لأجد في أروقتها الجبن والنفاق والصغار والمذلة.. يبدو ان العلم لا يقدر على حماية الأخلاق البشرية من الدمار والتفكك ما لم يكن محصنا بقوة الإيمان.. لقد كان هؤلاء المجاهدون مؤمنين حقيقيين ولهذا صعدوا إلى القمة وتمكنوا من تحقيق النصر العظيم.. وبدون هذا الإيمان النقي.. هذا الإيمان العفوي المتدفق.. فليس بمقدور أشد العلوم تقدما وأكثر فروع التخصص تعمقا إن تحمي الإنسان.. وما قيمة الحياة الدنيا إذا ضاع الإنسان، ماذا ينفعنا _ كما يقول المثل_ إذا كسب الإنسان العالم كله وخسر نفسه؟ >ينظر إلى ساعته" ألم يحن الوقت؟

إدريس: "مشيرا إلى الصالة" لا عادتهم إلى الحياة ثانية؟

د. رباح: كلا..

إدريس: ماذا إذن؟

د. رباح: لتصعيد الرعب درجة أخرى.. إيصاله إلى الحد الأقصى..

إدريس: هل تعتقد إنهم سيحتملون ذلك لقد أبقينا لهم شيئا من الأمل فماذا لو أتينا عليه؟

د. رباح: لابد من الإتيان عليه أذا ما أردنا استكمال التجربة، سأدخل لأرى بنفسي ومع النبأ المفجع عليهم.. فلعل صاحبنا لا يستطيع بعدها أن يواصل العمل.

إدريس: وهل سيستمر ذلك طويلا؟

د. رباح: أبدا.. دقائق فحسب.. لا أريد أكثر من عشرة أو عشرين دقيقة فهذا يكفي.

إدريس: سأذهب لإعلان النبأ.. ما دمنا نتقدم صوب نهاية تجربتك هذه فلا بأس.

"يغادر المكان، بينما يدخل دكتور رباح الصالة.. تبقى الشرفة خالية للحظات ثم ما نلبث ان نسمع صوت الكابتن في مكبرات الصوت ينبعث من الصالة."

كابتن إدريس: أيها المسافرون، لقد بذلنا جهد ممكن لإنقاذ السفينة من المصير المؤلم الذي ستنتهي إليه دون جدوى.. إن الخرق ازداد اتساعا ولم يعد بمقدورنا التصدي لتيار الماء الهائل الذي أخذ بتدفق منه.. إن الطابق الأسفل من السفينة أصبح الآن مغطى بالماء.. وهو الآن يرتفع باتجاه الطابق الثاني.. لقد انسحبنا من غرفة القيادة بعد أن أصابها تلف قاتل.. أيها المسافرون إننا نعلمكم بالحقيقة المفجعة.. الحقيقة المرة أن السفينة توشك على الغرق.

"تسمع أصوات صرخات استغاثة وبكاء عنيف من داخل الصالة...".
الكابتن إدريس: قليلا من ضبط الأعصاب أيها المسافرون فلعل معجزة تحدث فتقلب تقديراتنا رأسا على عقب..

صوت: "من داخل الصالة"لنجر قرعة أيها السادة على زوارق الإنقاذ..

صوت آخر: لا داعي للقرعة أبدا.. الأطفال والنساء والشيوخ أولا..

الصوت الأول: الشيوخ شبعوا من الدنيا.. والأطفال لا يحسون أما النساء..

صوت ثالث: "يقاطعه" أنسيتما إن قيادة السفينة أكدت لنا بأن زوارق الإنقاذ قد أغرقت كيلا تحدث ارتباكا مميتا بين الركاب؟

الصوت الأول: لكننا سنغرق.. يا ألهي.
.
الصوت الثاني: كان أحرى بهم أن يبقوا الزوارق من أجل الأطفال والسناء والشيوخ..

الصوت الثالث: لكن هنالك من ينافسهم.. الم تسمعه؟ أنه واحد من بين عشرات..

"يخرج من الصالة شاب متأنق يلبس قميصا مشجرا وبنطلونا صارخ اللون وحذاء ذا كعب عال.. يبدو أنه مخمور إلى حد كبير.. يقف عند حاجز الشرفة وينظر إلى البحر..."..

الشاب: ماذا لو سمحوا لي بواحد من زوارق الإنقاذ لكي ينقلني إلى حبيبتي.. آه إننا لن نلتقي بعد الآن يا سيمون.. لن نلتقي بعد الآن.. لو كان بمقدوري أن أعبر إلى ساحل فرنسا سباحة لفعلت.. ولكنني مرهق.. مرهق.. وأنت بعيدة.. بعيدة.. آه يا سيمون.. ستنتظرينني طويلا.. وبدلا من ان آتيك لأخذك بالأحضان سأستقر هنالك في الأعماق وستنتظرينني طويلا.. وأخيرا سيصلك النبأ المفجع.. ان كاردينيا قد تحطمت وان حبيبك قد مات.. ماذا لو سمحوا لي بواحد من زوارق الإنقاذ؟
"يبكي ويتهاوى عند جدار الشرفة"...

صوت: "من داخل الصالة"أيها الإخوة لماذا تنهارون هكذا ويخنقكم اليأس؟ أنهضوا واستعدوا للخطة الحاسمة.. إننا يجب أن نتشبث بكل شيء من أجل مغالبة الموت.. ان حطام السفينة قادر على أن يحملنا الساعات الطوال.. ولعله يأتي خلالها من ينقذنا.. غالبوا يأسكم وأنهضوا..

صوت ثاني: إننا ميتون.. ميتون، وأحرى بنا أن نستقبل الموت بهدوء..

صوت ثالث: أريد أن أغمض عيني وأسد أذني وأغيب عن الدنيا قبل أن يغيبني البحر.. إن أشد ما يخيفني رؤية البحر وهو يلتقم بني آدم..

الصوت الأول: لستم نشاء ولا أطفالا أنكم رجال وأن عليكم أن تعطوهم مثلا..

الصوت الثاني: نعطيكم مثلا؟ ها.. ها.. ها إننا سنموت أيها الرجل.. سنموت..

الصوت الأول: وماذا في ذلك؟ ألم تكن ستموت في يوما ما. من كان سيضمن حياتك، هناك في فرناس لو وصلت؟ إنك معرض للموت في كل مكان.. أنها حتمية لا مفر منها.. وبدلا من أن نهرب منها علينا أن نجابهها بشجاعة.. كفاك.. أرجوك. أما نحن فدعنا نستقبله بالطريقة التي تريحنا..

"ما يلبث صوت الكابتن ان يعلو من مكبرات الصوت"

الكابتن إدريس: أيها المسافرون.. يا من تحملتم المحنة الرهيبة بشجاعة.. لقد آن لكم ان تتلقوا النبأ العظيم.. لقد تمكنا أخيرا، وببطولة وشجاعة ملاحي السفينة، من سد الثغرة وإصلاح العطب في غرفة القيادة.. وها نحن نشغل أجهزة سحب الماء لتفريغ الطابق الأول.. لقد زال الخطر نهائيا وبعد قليل ستستأنف سفينتكم المحبوبة كاردينيا طريقها إلى مارسيليا.. تهانينا..

"سمع من داخل الصالة صرخات فرح هائلة وعناق وقبلات وأصوات متداخلة.. وما تلبث موسيقى الجاز أن تعوي من جديد بعنف بالغ.. يخرج دكتور رباح والطالب المغربي وهما يبتسمان..."

المغربي: "بفرح غامر مشوب بإرهاق بالغ" لقد كانت تجربة إذن؟

د. رباح: ألم أقل لك أنها فرصة ذهبية

المغربي: ولكن بعد أن عانت وجوهنا من صفرة الذهب.. لقد امتلأت رعبا أيها الدكتور ولم أستطع مواصلة مهمتي بعد إعلان البيان الثاني..

د. رباح: ولهذا تركتك في هذه اللحظة لكي أواصل بنفسي المهمة الصعبة..

المغربي: كنت مطمئنا أشد الاطمئنان، فأية صعوبة في مهمتك تلك؟

د. رباح: الخوف من عدم مضي التجربة إلى غايتها بنجاح.. من عدم استكمال البيانات.. من ضيق الوقت وضرورة المسارعة في اقتناص دقائق ولحظاته.. لقد قابلت الموت قبل هذا مرارا، فلم يعد يخيفني..

المغربي: "بالفرح نفسه"لقد جمعنا مقدارا طيبا من البيانات والإحصاءات.. إنها بإضافتها إلى تجاربنا القادمة، وبعد تحليلها واستنطاقها ستمنحنا المزيد من المعطيات.. إنني أشكرك أيها الدكتور رغم كل شيء، فلقد علمتني فضلا عن هذا كله، شيئا أهم من هذا كله.. ان منجزات العلم وكشوفه لا تتحقق إلا بشيئين: الثقة والأمل.. وإنني أدرك الآن مغزى حديث رسولنا العظيم "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فأستطاع أن يغرسها.. فليغرسها.. "

د. رباح: "متمما" "فله بذلك أجر"..

المغربي: فله بذلك اجر..

"يتعثر بالشاب المتأنق المنطرح عند أسفل الحاجز فيهب هذا قائما كمن يستيقظ من نوم عميق<.
الشاب: ماذا؟ ألم نمت بعد؟ "يصيخ لصوت الموسيقى المنبعث من داخل الصالة ويصرخ< الموسيقى! الموسيقى ثانية.. ما الذي حدث أيها الرفاق؟

المغربي: لقد بعثنا من جديد..

الشاب: هل معنى هذا أن السفينة ستواصل رحلتها إلى مارسيليا؟

د. رباح: بكل تأكيد..

الشاب: "يقفز إلى الصالة وهو يصرخ" سيمون.. لم يبق بيني وبينك سوى ساعات قلائل.. سيمون.

د. رباح: "مشيرا إلى الشاب" لم يتعلم أي شيء

المغربي: مم؟

د. رباح: أنه نمط آخر من الناس وهو أكثرها عددا.. أولئك الذين لا يتعلمون شيئا من الموت!!
"ننزل الستارة وأصوات الموسيقى العاوية والرقص المجنون وتبادل الأنخاب.. تنبعث من الصالة.."

تمت ولله الحمد

•●غزلان●•
26-07-2007, 09:03 PM
يسلموووووووووووووووو يالغالي

ملكة الكبرياء
26-07-2007, 10:17 PM
يعطيك العافيه على القصه الجديده

من حسن حظي اني قريتها كلها حتى ماتشتت افكاري


الف شكر والله انك غالي وعزيز على قلبي






وتقبل مروري0000

مزيونة وملسونة
27-07-2007, 04:11 AM
يسلموووو حلم شاعر
يعطيك العافيه ...........

نونه
27-07-2007, 03:46 PM
قوووه حلم ....
قصه اكثر من روعه وعجيبه وااايد وكنت انتظر البقيه علي نارر ....

وشكراا لك ويعطيك العافيه.....

حلم شاعر
02-08-2007, 06:19 PM
الله يقويج نووووووووونه

مشكورين على هالمرور الحلو

أسيل
02-08-2007, 06:24 PM
دوما لك ذوق مختلف في الاختيار والكتابات ياحلم شاعر
يعطيك ألف عافية على النقل الرائع ..
تحياتي لك ..

أسولة

ظلال القلم
09-08-2007, 07:04 AM
استمتعت بقراءتها حرفا حرفا ,,,


دام نقلك


تحياتي


ظلال القلم

حلم شاعر
17-07-2008, 12:00 PM
شكرا جزيلا على مروركم الجميل