المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مبلل بالحزن....قصة قصيرة


ظـنيت مـا أحـبك
09-09-2005, 10:06 AM
مبلل بالحزن
إبراهيم سليمان نادر / العراق
قرب المخاوف والامنيات
تفيأ ذاك الفتى نجمة في السطوح
احتوى قمراً حط في كفه ذات حزن
وهيأ من حلمه قارباً
يعبر الليل
والجوع

مُبلل بالحزن

مذ وطأت قدماي صخب المدينة ، والنحس يلاحقني اينما حللت . لم يبق باب الا طرقته ، او محل او مطعم او مكتب الا وابوابه موصدة في وجهي . شهران بأيامهما وانا ابحث عن عمل . الفقر والتيه يصبغان الاديم من الريف حتى المدينة .
الناس هنا في ضياع وانفلات . الكل يلهث وراء شيء ما ، يطل في الافق ، او يتربص بهم في الدروب والثقوب ، واحياناً يرونه جاثماً في شباك العناكب او اعشاش الطيور .
في الطريق الى مجرتي المعزولة على سطح البيت ، تخر شهب الاوقات وتتبدل احوالها فجأة ، كأن الزمن الضيق يدلكها فيزيد من سقالتها وبريقها .
وكنت احبو على مهل ، خشية ان تحس بي المرأة العجوز صاحبة البيت .
شيء ما في الافق يشبه ذكريات واماسٍ سلبها الزمن مني . أهمس لهذه التداعيات بشيء ، فيصهل في جوفي نداء عميق ترتج باصدائه كل الفلوات في نهر المدينة وترتطم ببعضها ، أتحدث دون أحرك لساني .
ينتفض جسدي كله ، وينتفخ كأنه شفتان كبيرتان ، لكني أحبو نحوها مثل طفل يتعلم الاتجاه .
ينقلب الزمن امامي ويتدحرج بدمعة تنزلق على خدي ببطء . برد ومطر ينز من سقفها الخشبي المتهريء ، فتنعدم ملامحها في ضباب الرؤية والطعم ، تتوق نفسي الى ان ألمس شكلاً أو مرتسماً من تضاريسها وابعادها الهلامية ، أي شكل ، مجرد اثبات بأنني أحيا في نموها الدهاليزي المحيّر الذي تخيلته .
حتى اليوم لم ادفع للعجوز اجرة هذين الشهرين ، تتوعدني هي بالويل والثبور ، أتملص من لسانها واظفارها بطريقة تثير الحنقة والعجب فيها .
حين ولجت الى حجرتي ، أخذت ادفن حاجياتي تحسباً للمفاجأة ، جاعلاً منها طبقات لانثيال القرون مثل تلك التي تعرضها الطبيعة عندما تتعرى مرتفعاتها
بطائرتي في الجو ، فينكشف لنا طولها الفارع العميق المدفون الذي تتحنط فيه كهوف الملاحم وبحور التعاويذ وخلجان الايقونات .
جمعت خشباً كان مبعثراً واشعلته في موقد صغير . تصاعدت ألسنة اللهب والدخان بشكل أثار غضب العجوز .
وجدت نفسي أهبط السلالم وسيل من الشتيمة واللعنات يلاحقني حتى الباب.
أخفيت ملامحي في ثنايا زقاق ضيق خشية ان يلمحني صاحب دكان البقالة ويطالبني بثمن الشاي والسكر .
أتخيل الان شكل الماضي القريب وحركته القلقة التي انصعت لها دائخا ولم اتفاد لسعات اللهب .
تمر من امامي طفلة هرمة تستعرض سنيّ عمرها بتبرم ووجل ولا مبالاة . أوشكت ان أمسك بها وادفعها الى اعماقي . حاولت جاهداً ان اخبئها في صدري دون ان يكون لها اسم أو نعت . كانت اقرب الى البرية التي جاءت منها ، اقرب الى صفوة المبهم الذي ينزلق على ملامح هذا الزقاق ، بينما هي تؤجج ملامح الكلام كله ، تبلعه مثل دواء لتشفى ، وتتخلص مثل قطة أليفة تحاول الافلات من قبضة ضيقة .
أحسنت انني أسميها وأني أسمعها ، لكن الحبل ينفلت منا غفلة نحن الاثنان ، لكننا لانسقط !
وجدت نفسي وسط المدينة والجوع ينهش احشائي .
قصدت سوق الخردة ، أفتش عن ( شيخ جذبة ) كان صديقاً لأبي ايام
زمان .
عثرت على دكانه واستعطفته بأني جائع ولم أجد عملاً ، فاعطاني خمسة دراهم وقال :
- العوض على الله يابني
ولجت على الفور الى مطعم شعبي والتهمت رغيفين مع صحن عدس . كان صاحب المطعم يبتسم بوجهي وانا التهم الطعام بشكل يثير الفضول
والسخرية ، لكن المسافة تبقى ذاتها فاصلة بيني وبين هذا الافق الضيق الذي يتقلص وينبسط مثل قلب ، تماماً مثل عاطفة تتحرر أمام يد ، لكنها لم تبتعد اكثر ، اذ تعثرت بي ، ثم استدارت وراحت تطارد اثاري واثامي حتى رائحة وجودي .
وقفت لأشرب قدح شاي من بائع جوّال كان مُقْرفِصاً في ركن عند ناحية الشارع .
بقي الان في جيبي درهم لاغيره . وقفت في الموقع ذاته . أحنيت رأسي ورفعته في محاولة يائسة لمداواة كبريائي والاندماج في الوسط الذي انحدر اليه .
اقتربت الطفلة مني مرة اخرى وراحت تدور في فضائي وتحط على قلقي لتجهض لهفتي وتأكل حنيني .
تنام وتستيقظ معي فأراها في كبريائها الناقص تستعير وتغطس تحت
السطح ، وعندما تقف هناك امامي كما هي عليه الان ، تنفض بلل الاحزان عنها وتضلع مرة اخرى برأس مرفوع وحرون قبل ان تتوارى عني بين الجالسين والواقفين في ثنايا الرصيف ، تبيع السكاير وعلب الكبريت وقطع الحلوى العتيقة .
اركض وراءها لأخلد خلوتها ، لكنني اراها في قلب برية مقفرة ، مع أحد أو مع لاأحد على الاطلاق ، وحيدة تائهة مثل حيوان بّري ضال يحن الى قطيعه المفقود ، تصغي الى صوت الطبيعة الواهن الذي يتسرب اليها مثل خرير نهر بعيد أو نبع أو جدول لاوجود له .
أرى عينيها الان تدمعان مثل ورقة تذبل تحت الاشجار ، كأنها تتعلم ان تبكي بكاء أعزل بين نتوءات الطبيعة وتحولات الفصول ، وهي تحتضن محنتها في اطباقة حانية ، تضع فيها كل ما لديها من قدرات على الاتصال .
تقدمت منها اكثر ، لاتيح لها ان تحدس نواياي وتخطيء في فهمي كعادتها ، واني أقودها وأضللها بسلسلة من الوساوس والحركات والمعاني ، خائضاً في بحر التشوش الذي خلقته حولها . >>
هاهي أمامي أخيراً
أكاد ألمسها مددت اليها كفي واعطيتها الدرهم الاخير ، ثم مسحت الغبار الذي حط على شعرها وخديها وأخفى كل ما هو جميل فيها .
كانت بسمتها مكسورة ومحنطة ، اعتادت على رسمها عشرات المرات لتروج بضاعتها ومفرداتها على هذه الصورة ، ثم بكيت لانها لاتدري اني كنت ابكي ، ورحت أشخر من جديد وأنا مبلل بالحزن .

الـٍســٍٍفــٍيــٍر؟
14-09-2005, 12:40 PM
يسلمووووووو ظنيت علىى القصه الموثره

ويعطيك العفايه